مسيحيو بلاد الرافدين ما بين ماضي مجيد ومستقبل مجهول

د. تارا إبراهيم – باريس

هذا هو عنوان الكاتب والفيلسوف المبدع افرام عيسى يوسف الذي فتح لنا أبواب بيته بطيبة قلب، بيته الزاخر بالكتب الذي أدهشني ولكن الأستاذ افرام قال هؤلاء الكتب هم أصحاب البيت وانا لست الا بمستأجر لديهم بفكاهة. بدانا سؤاله كالتالي

صوت الآخر- عنوان كتابكم الأخير هو عنوان متشائم بعض الشيء ؟ ماهي الأسباب التي دعتكم لتأليف هذا الكتاب؟

انا بطبيعتي شخص متفائل ولكن كوني أستاذ جامعي وكاتب مختص بتاريخ مسيحيي الشرق، يجب علي ان اشخص المشاكل وإعطاء رايي فيها ومن خلال تحليلاتي. فمشاكل المسيحين بدأت بعد انهيار الثورة الكوردية في عام 1975 واتفاقية السلام في الجزائر، حينها دخلت الحكومة العراقية الى 4000 قرية كوردية ودمرتها وكان من بينها 182 قرى مسيحية وفي مقدمتها قريتي سناط التي تعود ال 1500 سنة وتم تهجير المسيحيين من هناك وترحيلهم الى زاخو من ثم الموصل ومنها الى بغداد، فكانوا يشبهون  بالشجرة التي تم قلعها من جذورها وغرسها بطريقة هامشية في مكان آخر..

 فاتفاقية الجزائر كانت ضربة قاضية لمسيحيين العراق على أثرها فقدوا لغتهم وتراثهم كونهم تم استعرابهم في بغداد والمدن الأخرى على الرغم من فقدانهم لقراهم واملاكهم وخصوصيتهم...

وبعد الحرب الامريكية على العراق اعتقد الناس بان المسيحيين هم من الموالين للأمريكيين، لذا بدأت الاغتيالات ضد المسيحيين منذ عام 2004 في الموصل والبصرة وبغداد، وعلى اثرها تم اغتيال 1026 شخص نعرفهم.وعدا الجرحى والرهائن ورجال الدين الذين تم اغتيالهم مثل رئيس أساقفة الموصل فرج رحو.وكانه برنامج يستهدف القضاء على هذه الشريحة من الشعب.

اما الشيعة الحاكمون فقد اهملوا الامر تماما والسنة كان قسم منهم تعشعش بينهم الجماعات الإرهابية التي استهدفت الحلقة الضعيفة في المجتمع وهم المسيحيين. لذا فمستقبل المسيحيين في هذا البلد هو مستقبل غير اكيد بل وغير مضمون ويشير الى علامات مقلقة.

صوت الآخر- هل لديكم فكرة عن عدد المسيحين الكلدان والاشوريين والسريان في فرنسا ؟ وهل هي جالية نشيطة ؟

نعم، هنالك 18000 مسيحي فر فرنسا و 90 بالمائة منهم هم من الكلدان و90 بالمائة من هؤلاء الكلدان هم من تركيا وذلك يعود الى أسباب تاريخية. عندم تم ترسيم الحدود بين العراق وتركيا في عام 1926 فقد وضعت بطريقة همجية، فمثلا تم فصل قريتي سناط عن قرية جدي من الام هربولي التي وتقعت في تركيا، امر ادي في النهاية الى ان تقع 7 قرى كلدانية في الجانب  التركي والبقية الغالبة في كوردستان العراق. الاوضاع في الجانب التركي كانت مزرية فقد تم تتريك المسيحيين هناك بل وان الحكومة التركية لم تولي اهتماما كبيرا بهم من حيث الرعاية الصحية والاجتماعية والمدارس الخ . مما أدى الى ترك قراهم والهجرة الى فرنسا. اما العشرة بالمائة الباقية فهم من العراق وغالبيتهم تسكن مدينتي ليون ومارسيليا وقد تأقلموا جيدا مع المجتمع الفرنسي وهي جالية نشيطة واعية بتراثها. وهنالك كنيستان كلدانيتان في باريس وثلاث جمعيات مدنية.

صوت الآخر- هل لديكم اتصال بالجالية الكلدو ـ اشورية المسيحية ؟

نعم وباستمرارـ وكنت أيضا من أوائل من شجعهم لتاسيس الجمعيات، حتى انني القيت محاضرات لمدة سنتين في الجمعية الاشورية الكلدانية عن تاريخ المسيحيين وتراثهم ولغتهم..ولتعريفهم بأنفسهم ، فهنالك ملياران من المسيحيين في العالم، وان يقول الشخص انه مسيحي، فالدين ليس بالهوية بل يجب معرفة خصوصياتهم..قبل شهر القيت أيضا محاضرة عن الحملات الصليبية كما يرويها السريان، فاعجبوا بالمحاضرة كون الحملات الصليبية يتحدث عنها الغرب دائما بوجهة نظرهم، ولكن ان يتم وصفها من قبل السريان انفسهم فهذا امر في غاية الأهمية.

صوت الآخر- لدى زيارتها للمعهد الكوردي  في باريس، أهديت عمدة مدينة باريس نسخة من كتابكم الأخير ؟

نعم، فعندما قدمت آن هيجالكو الى المعهد عرفني عليها الأستاذ كندال نزان رئيس المعهد على انني أستاذ وكاتب وباحث مختص بلغة المسيح الآرامية، وقمت بالمناقشة والحوار معها. واهديتها نسخة من كتابي الأخير "المسيحيون في بلاد الرافدين"، فرحت به واهتمت بالموضوع كون هذا الموضوع هو موضع الساعة ووعدت بمتابعة الامور.

صوت الآخر- لقد تركت موطنك منذ زمن بعيد ؟ هل تشعر بالحنين اليه ؟ هل تعود غالبا هنالك ؟

 اكيد اشعر بالحنين بل وهو شعور قوي وعنيف. فهذه السنة هي السنة الاربعون لي فرنسا. فبعد انهائي لدراستي في جامعة نيس الفرنيسة، ومن ثم  أصبحت أستاذا جامعيا في تولوز. وقتها كانت تدعوني الحكومة العراقية الى محافلها، ولكنني لم اكن اجيب دعواتهم المتتالية بل وانني كنت قد وعدت نفسي ان لا أعود الى العراق بتاتا بسبب ما عانيته. ولكن في عام 2005 كان هنالك لقاء في أربيل تم دعوتنا من قبل حكومة الإقليم لمؤتمر "كيف تبنى الديمقراطية " وكنا وقتها عشرين أستاذا . تحدثت حينذاك عن نظم الدولة منذ زمن السومريين والاكديين ودولة قانون حمورابي الى نظام الديمقراطي ودولة حقوق الانسان.

فلدى اول زيارة  للإقليم تم استقبالنا من قبل وزير الثقافة وبعض المسؤولين لدى نزولنا الى مطار أربيل.. واستقبلونا بالشاي والبقلاوة ومن ثم تم دعوتنا الى مأدبة عشاء من قبل السيد نيجرفان بارزاني. اتذكر وقتها الفارق الكبير ما بين آخر مرة كنت في أربيل  قبل 25 سنة، وقتها أحاول الفرار بجلدي .ومن ثم توالت الزيارات في عام 2006 ودعوتي لالقاء محاضرات في مؤتمر الكوردولوجي الأول واستمرت زيارات للاقليم.

صوت الآخر-ما هي تفسيراتكم للوضع المسيحي الان؟

في الحقيقة اود ان أقول ان الوضع مأساوي وخصوصا بعد ما حدث للمدن الواقعة في سهل نينوى، اذ 13 مدينة وبدلة وقرية مسيحية تم تهجيرها ولجأ أهلها الى كوردستان العراق، ومن بينها  مدينة بغديدا (قرقوش) وبرطلة وكرمليس والقوش ..الخ فهؤلاء كانوا يعتقدون انهم سوف يعودون قريبا الى بيوتهم ولكن هذا الرغبة بدأت صعب المنال، اذ جحافل داعش احتلت المنطقة وهرب سكانها.ا مر أدى بالمسيحيين الى الفرار بجلدهم ونرى قسما منهم يتجهون الى القنصليات لطلب الفيزا ومغادرة البلاد...إحصاءاتي تقول ان 13000 مسيحي لجا الى الإقليم ، والبعض منهم في وضع متردي في المخيمات وخصوصا الان نحن في بداية فصل الشتاء ، الامطار  والبرد عنيفة في المنطقة. فتفسيري للمستقبل هو انه مستقبل غامض ومجهول ومفتوح للهجرة اذ بقت الأمور على حالها.

صوت الآخر- هل تعتقد ان إدارة إقليم كوردستان كانت مقصرة تجاه المسيحيين ؟

في الحقيقة، استفسرت عن الامر وفي البداية مثلا في السابع من آب، تأسفت كثيرا عندما انسحبت قوات البشمركة سريعا من المنطقة وحثها الناس على المغادرة والهرب امام تقدم داعش، ولكني اكتشفت انهم كانوا يمتلكون أسلحة خفيفة مقابل الدبابات والمصفحات والأسلحة الثقيلة التي كانت تمتلكها داعش. وبعدها تغير رايي. .فالمسيحيون يشكرون الإقليم لفتح ابوابه لهم واعانتهم في بعض الخدمات الصحية والمادية. ولكن الإقليم يستقبل اكثر من مليون لاجي وعليه ضغط هائل في فترة عصيبة يمر بها وهي الازمة الميزانية الحلية، ازمة بعد ازمة.ومع ذلك فالشعب الكوردي تحمل مسؤولياته تجاه اللاجئين كونه كان أيضا شعبا مضطهدا عانى الامرين. لذا فهو شعب متفهم ويشعر بالأم غيرهم. دورهم وموقفهم يحترم فعلا. اما الجمعيات الخيرية في الغرب التي لم تعط الموضوع اهتماما كبيرا فمثلا هنالك جمعيات كاثوليكية وبروتستانتية وعلى الرغم من إمكاناتها الهائلة التي قد تصل الى الملايين الولارات الا انها لم تعن الشعب المسيحي الا قليلا.

صوت الآخر- هل تشجع المسيحيين على ترك وطنهم ؟

الهجرة او البقاء هو شان شخصي جدا لان لكل شخص الحق في تحديد مصيره بنفسه فالجميع له الحق بالبقاء او الهجرة وليس لدينا الحق في اجبار أي شخص يتخذ قرارا كهذا. فمثلا ليس منطقي أن نطلب منهم البقاء في ارض ابائهم واجدادهم ان كانوا بدون سكن وعمل وحياة تحت المطر، اما غيرهم الذين يعيشون في إقليم كوردستان ولم يتعرضوا الى الاضطهاد معظمهم لا يرغب بالهجرة...

صوت الآخر- هل التقيت بالعائلات المسيحية التي نزحت الى فرنسا قبل اشهر ؟

نعم التقيت بهم وتعرفت على قصصهم. وهم كانوا حوالي 200 شخص ومنهم من كان يتحدث حتى اللغة الفرنسية. ولكن خيبة الامل اصابت الكثير من المسيحيين فمثلا عندما اتى رئس الجمهورية فرنسوا هولاند الى الإقليم ومنح المسيحين املا وكلاما طيبا. لذا قدم المسيحيون طلبات للقنصلية الفرنسية تبلغ حوالي 10000 طلب للفيزا ولم ينل منها الا 200 شخص. ليس فرنسا بل جميع الدول لأوربية  وكنائسها العديدة  كانت مقصرة بحقهم ، لم قوفر لهم الا مساعدات مادية صغيرة  وكلام طيب .

صوت الآخر- ماهي مشاريعكم المستقبلية؟

لدي كتابين قيد النشر، كتابي قبل الأخير يحمل اسم الشخصيات الشهيرة في بلاد الرافدين الذي انتهت ترجمته وتنقيحه وهو حاضر للنشر، وانا الان في صدد البحث عن دار نشر تنشره في الاقليم، و يبدو ان الازمة الاقتصادية قد اثرت على هذا المجال في إقليم كوردستان وأتمنى نشره قريبا. سابقا كنت انشر في دار المدى السورية ولكن  الظروف الحالية غير مشجعة للنشر لديهم، اما دور النشر اللبنانية فهي تعاني أيضا من ازمة اقتصادية. اما كتابي الأخير الذ يحمل اسم المسيحيون في بلاد الرافدين، فهو ايضا في المرحلة الأخيرة من الترجمة الى العربية وسوف ينتهي في غضون شهرين..

صوت الاخر- ماذا عن آخر امنياتكم ؟

لدي امنية صغيرة وعزيزة جدا على قلبي وهي ان يتم تدريس اللغة الآرامية السريانية في جامعات إقليم كوردستان ويتم فتح شعبة لها. ولا أعتقد ان هنالك نقص في الكوادر كوننا لدينا اشخاص مختصون في هذا المجال بل ونستطيع حتى. فجذور اللغة السريانية تنحدر من هذه المنطقة في كرخسلوخ  وحدياب ونوهدرا  وارفا ونصيبين وأماد. ومن هذه المنطقة انبثقت شخصيات مسيحية وسريانية معروفة لاهوتيا وفلسفيا، هذه المناطق انجبت التراث والمعرفة. وهذا الامر الذي اقترحه هو في صالح الاقليم. ان جامعة ماردين تدرس الان السريانية في تركيا رغم قلة السريان هناك، فما بال إقليم كوردستان؟